نورالدين علي بن أحمد السمهودي

39

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

لكان لجار ذلك المجاور نحو ذلك ؛ فيلزم أن يكون ما جاور المدينة أفضل من مكة ، وليس كذلك اتفاقا ، كذا أجاب به بعض المتقدمين ، وفيه نظر ، انتهى . قلت : لم يبين وجه النظر ، ولعل وجهه أن الأفضل لقوة أصالته في الفضل يفيد مجاوره الأفضلية لمزية هذه المجاورة الخاصة ، وهي منتفية عن مجاور المجاور ، ألا ترى أن جلد المصحف قد ثبت له مزية التعظيم للمجاورة ، ولم يلزم من ذلك ثبوت نحوها لمجاوره ، وأيضا فالمقتضى لتفضيل المدينة خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم من تربتها ، وهذا لا يوجد لمجاورها ، والله أعلم . الفصل الثاني وعد من صبر على شدها في الحث على الإقامة بها ، والصبر على لأوائها وشدتها ، وكونها تنفي الخبث والذنوب ، ووعيد من أرادها وأهلها بسوء أو أحدث بها حدثا أو آوى محدثا . روينا في الصحيحين حديث « من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة » . وفي صحيح مسلم عن سعيد مولى المهري أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة ، فاستشاره في الجلاء من المدينة ، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله ، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها ، فقال : ويحك ! لا آمرك بذلك ، إني سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يصبر » وفي رواية « لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة » وفي رواية « فقال أبو سعيد : لا تفعل ، الزم المدينة » وذكر الحديث بزيادة قصة . وفي مسلم وفي الموطأ والترمذي عن يحنّس مولى مصعب بن الزبير أنه كان جالسا عند ابن عمر في الفتنة ، فأتته مولاة له تسلم عليه ، فقالت : إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن ، اشتد علينا الزمان ، فقال لها عبد الله : اقعدي لكاع « 1 » ، ولفظ الترمذي : اصبري لكاع . فإني سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة » . فإن قيل : ما معنى التردد في قوله : « شفيعا أو شهيدا » ؟ وما معنى هذه الشفاعة مع عموم شفاعته صلّى اللّه عليه وسلّم ؟

--> ( 1 ) لكاع : يقال في سبّ المرأة بالحمق : يا لكاع .